الجاحظ
41
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
« وازار » ، والوازار بالفارسية . ويسمون القثاء خيارا ، والخيار بالفارسية . ويسمون المجدوم ويذي ، بالفارسية . وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها . ألا ترى أن اللّه تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر . والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة . وكذلك ذكر المطر ، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام . والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث . ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع ، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين . ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين ، ولا السمع أسماعا . والجاري على أفواه العامة غير ذلك ، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال . وقد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج . والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما ، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو أظهر وأكثر ، ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه ، وكذلك المثل السائر . وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه . ألا ترى العامة أن ابن القرية « 1 » عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل . وعبيد اللّه بن الحر « 2 » أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب . وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد ، وعتيبة بن الحارث
--> ( 1 ) ابن القرية ، هو أبو سليمان أيوب بن زيد ، كان أعرابيا أميا وهو معدود في جملة الخطباء المشهورين ، قتله الحجاج بن يوسف سنة 84 . ( 2 ) عبيد اللّه بن الحر الجعفي : قائد من الشجعان الأبطال ، وكان بينه وبين مصعب بن الزبير منافسة ، صمد عبيد اللّه لرجال مصعب صمودا ، ولكن أصحابه تفرقوا عنه فخاف أن يؤسر فألقى بنفسه في الفرات فمات غرقا . وكان عبيد اللّه شاعرا فحلا .